English

الحمد لله الذي علَّم بالقلم، والصلاةُ والسلام على رسوله المجتبى ونبيِّه إلى خِتام الأُمم، وعلى آله وصحبه ذوي التُّقى والشَّهامة والهِمم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فإن الله تبارك وتعالى افتتح سورة القلم بالقَسَم به، ومن فوائد هذا القَسَم أن القرآن العظيم كتاب الإِسلام، وأنه سيكون مكتوباً مقروءاً بين المسلمين، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بكتابة ما يوحى به إليه، فالإقسام بالقلم فيه دلالة على شرفه وبأنه يُكتب به القرآن وكتبت به الكتب المنزلة السابقة، وتكتب به كتب العلم، ومكارم الأخلاق، وما فيه احتياج الناس ومنافعهم،  وكلُّ ذلك مما فيه قُربة  عند الله تعالى.

ومع انتشار الإسلام واتساع رُقعته في الأمصار واكبه نهضة علمية متعددة، مما زاد الحاجة إلى الخط وطرق استخدامه والاهتمام به، وهو ما ولَّد بعد ذلك التأسيس لبداية التحول من الخطوط القديمة التي نشأت في بيئات محددة إلى الخطوط الجديدة المؤسَّسة على نِسَبٍ معينة، وتتلاءَم مع المهنية التي يراد منها أداء الخط المنوط به، سواء في المكاتبات الرسمية بين السلاطين وطبقتهم، أو الورَّاقين الذين اتخذوا الخط حِرْفة يتكسَّبون بها، أو غيرهم من فئات المجتمع المتنوعة.

ومن هنا برز الاهتمام باتخاذ خط منمَّق مميَّز لكتابة المصاحف الشريفة والرَّبَعات، والأجزاء القرآنية؛ إجلالاً لكلام الله تعالى وتعظيماً له، يتباعد هذا الخط في خصائصه وسِماته عن كل ما عُدَّ فيه انتقاص لكلام العزيز الحميد كتصغير الخط، أو السُّرعة في كتابته، وغيرها من الطرائق الكتابية التي عدَّها بعض السَّلف من مظاهر الامتهان للقرآن الكريم.

وبرزت خطوطٌ لكتابة المصاحف على مَرِّ العصور كالخط الرَّيْحاني، والمحقَّق، والثُّلُث إلى أن تناهى بعد القرن العاشر الهجري في بلاد المشرق العربي – غالباً – إلى خط النسخ؛ لما يتميز به من الوضوح والجمال والسَّلاسة، ونُدْرة التركيب والتداخل بين حروفه، وسهولة قراءته.

ويأتي ملتقى مجمع الملك فهد لأشهر خطاطي المصحف الشريف في العالم تتويجاً لاهتمام المجمع بكتابة المصحف الشريف وكتَبَتِه في العصر الحاضر، وتكريمهم، وتجلية تجارِبهم، وإبراز الرسالة التي يحملونها.

ويهدف هذا العدد الخاص الصادر بمناسبة انعقاد الملتقى إلى الإسهام بفعاليةِ الاهتمام بالخط العربي والدراسات حوله وبيان أثر القرآن الكريم في ذلك، وتنمية التذوق الجمالي لأنواع الخطوط.

وقد تمَّ استكتاب طائفة من المهتمين بعلم الرسم العثماني وقضايا الخط العربي والزخرفة؛ للمشاركة برؤاهم وأبحاثهم وأفكارهم في إثراء الوعاء المعرفي للمجلَّة؛ ليكون هذا العدد الصادر بمناسبة هذه التظاهرة العالمية رِدْفاً في تحقيق أهداف الملتقى المرجوَّة.

وضمَّ هذا العدد مجموعة من البحوث القيمة التي تناولت عدداً من المسائل المعرِّفة برحلة كتابة المصحف الشريف، وألقت الضوء كذلك على بعض القضايا المهمة في هذا المضمار.

فشكر الله للباحثين على جهودهم المتميزة وما قدموه من مقترحات ومعلومات وفوائد.

والشكر كذلك للإخوة في هيئة تحرير المجلَّة على ما بذلوه ويبذلونه من جهود متتابعة في سبيل الارتقاء بمستوى المجلَّة علمياً ونوعياً.

وشكري موصول لمعالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد المشرف العام على المجمع الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ الذي يتابع أعمال المجمع ومسيرة التحضير والإعداد لهذا الملتقى المبارك بعناية واهتمام.

ولا يسعني إلا أن أتقدَّم بالشكر والعرفان لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، وأن يَمُنَّ الله عليه بتمام الصحة وموفور العافية، ووليِّ عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز، وسموِّ النائب الثاني صاحبِ السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز حفظهم الله على ما يولون المجمع من رعاية ودعم وتشجيع.

والحمد لله رب العالمين.

الأمين العام

لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف

أ.د محمد سالم بن شديد العوفي

مجلة البحوث